الخميس، 14 فبراير 2013

الهُروب إلى المنزل





 07:15  مساءً ...
عند الموقف الرئيسي للمواصلات العامّة , واقفاً بين هذا الجمع الكبير .. الّذين ينتظرون مثله لوسيلةٍ تُخرجهم من بؤسهم اليومي .. ينظر يميناً .. يساراً .. لا يرى سوى رؤوس البشر الّذين يتماوجون ويجيئون ويذهبون على غير هُدى .. على أمل الفرار من همومهم التي تتكرّر في العمل .. الجامعة .. المدرسة . والوصول إلى المنزل .. إلى الجنّه . بعيداً  بنهاية الطريق المُعبّد ظهر الأمل .. حافلة قادمة .. حسناً ها قد بدأ الفرار .. الفرار إلى المنزل .. لكن يجب عليه أن يتأكد من أنّه سيدخل السباق وهو في أتمّ الجاهزية .. حذاء رياضي خفيف .. لزيادة سرعة الركض بالطبع . قميص أو فانلّة بأكمام قصيرة .. حتّى لا يتشبّث بك المتشبّثون . مهما كان ما تحمله معك .. يجب أن يُوضع على حقيبة ظهر .. لكي تتفادى .. تناور .. تلاكم .. إلخ . وإن وُجِدتْ .. إن وُجِدتْ .. فقبّعة واقية من الصدمات تفي بالغرض لخوض مثل هكذا سباق . توقّفت الحافلة شمال ذلك الحشد الكبيييييييييييييير .. ترجّل (الكمساري) لينادي على وجهته .. وقبل أن تكتمل الحروف الأولى .. إمتلأت الحافلة .. رقم قياسي جديد .. في اليوم السابق كان الرقم المُحقّق 5 ثواني .. إمتلأت الحافلة خلال 4 ثوانٍ !!! .
9:50 مساءً ...
ثُمّ جاء مِنْ بعيييييييييييييد .. الرجُل الطيّب .. أو كما يطلقون عليه الرُكّاب البؤساء .. فهو يتحمّل فوق طاقته .. ثلاثة أضعاف ما يحمله غيره من وسائل المواصلات .. جاء يحمِلُ على جانبيه المُلصقات الإعلانيّة ذاتها .. وما أجملها ! .. المُهم .. إشرأبّت الأعناق .. وساد الصمْت المُطبق إستعداداً للسباق .. ولكنْ . مرّ الرجل الطيّب أمام الجميع محييّاً بتحيّة السائقين الخالدة (ضغطة طويييييييييييلة على دوّاسة الوقود .. ثُمّ تليها ضغطتين قصيرتين) .. وبعد أن إنقشع الدُخان .. رأى قِلّة قليلة تركض وراءه راجية أن يتوقّف .. لكن هيهات .
11:35 مساءً ....
بعد فترت الهِمم .. وسكتت الحناجِر عن الهمهمة المعهودة .. وبعد أن طااااااااااااال الإنتظار .. رأى ذلك المثل حقيقة واقعة (Misery loves company) .. فبدأت الجموع تتكتّل .. وراحوا يتناقشون ويتحاورون في الرياضة .. السياسة .. لُقمة العيش .. وبدأ هو أيضاً في المناقشة مع من يجاوره .. ولم يشعر بالعربة الصغيرة التي تسللّت خلفه وتوقّفت (الأمجااااااد) .. فالتفت يساراً .. (..............) .. وتحرّكت العربة .. إنّه بداخلها ! أين ذهب ذلك الوقت ؟ .. ما هذا الألم ؟ .. أضلاعه .. كدمة صغيرة على جانب رأسه !. وبدأ يتذكّر .. قوّة عظيمة تلك التي إقتلعته من الأرض ليجد نفسه واحداً من بين الرُكّاب .. ضربة من مِرفقِ أحدهم على أضلاعه .. وضربة عُظمى برأسه بباب العربة .. فبدأ يسأل الرّكّاب .. إلى أين نحن ذاهبون .. تنفّس الصُعداء بعد أن تيقّن أنّها وجهته التي طال إنتظاره وإنتظار الرُكّاب للذهاب إليها .. المنزل .. آآآآآآآآآآآآآآآه .. لقد فاته أن يحسب السُرعة الّتي إمتلأت بها تلك العربة .. لابُدّ أنّه رقمٌ قياسيٌ جديد .



السبت، 21 أبريل 2012

قشْــــــــعريرَه


     لم يكنْ متفاجئاً عندما أعلن وزير الدفاع عن تحرير منطقة (هجليج) .. بل كان محتاراً ومسائلاً نفسه .. أكانت تستحق كل تلك الأيّام العشر حتّى يحرِّر الجيش المنطقه المحتلّه ؟؟ .. وهو الّذي عاصر مُدناً ومناطق واسعه قد حرّرها الجيش بقلّه قليله .. وزمنٍ وجيز .. فلِم إذاً كان كلّ هذا التروِّي ؟؟ .. قديماً كان حال الحرب الدائره مثلها كمثل الأخوين اللّذين يعتركان على المنزل .. داخل المنزل .. وينتهي العراك ويذهب كلّ واحدٍ إلى غرفته .. أمّا الآن أصبح العراك بين منزلين إثنين .. لكلِّ منزل باب خاص به .. وعنوان .. لا يدخل أحد إلى الآخر ما لم يستأذن صاحب المنزل .. وهنا بدأ يستوعب ذلك الصّبر والتروّي كلّ تلك المدّه .. ما أُخِذ بالقوّه لا يستردُّ إلّا بالقوّه .. وإذا حاولت إسترداد ما أُخِذ منك بطريقه متعجِّله . وكان الفشل .. فلا تلومنّ إلّا نفسك .. وكحال قوّاتنا الباسله دوماً .. وأبداً ... يتحرّر جزء من البلاد في أيّام بعينها .. كحال (الدّمازين) .. الّتي أدّى فيها الجيش صلاة العيد ... والآن (هجليج) .. وأداء صلاة الجمعه .. وما أدراك ما الجمعه .. ذلك اليوم المهيب الّذي بدأ فيه كلِّ شيئ .. وسينتهى فيه كلُّ شيئ أيضاً .. في يومٍ معلوم .. مُقدّس .

     كانت الصور الأوّليه الّتي يشاهدها عبر التلفاز تلغي كلّ ما كان بإعتباره عُرفاً أو حدّاً لا يستطيع أحد أن يقطعه أو يخالفه .. فهذا سائق القطار الّذي يمر ببوّابة القياده العامّه للجيش .. الّذي لم يتمالك نفسه وضغط على صافرة القطار .. الّتي بعثت في نفوس الحاضرين تلك القشعريره الّتي كانت تغامرهم حين كلِّ نصر أو فرح .. أراد سائق القطار أن يترجّل ... ويختلط بالجموع .. ويحمل أفراد الجيش على الأعناق .. فتغالبه دموعه .. ويردِّد بينه وبين نفسه .. ياليتني كنت منهم .. وذلك الشّيخ الكبير .. الّذي يتوكأُ على عصاه باليمنى .. ويستند على أحد أقربائه باليسرى .. يودّ لو يرجع الشباب ولو لفتره ... حتّى يرقص معهم رقصة النّصر .. النّصر بعد غدر . أطفال ونساء .. ليس في أذهانهم وعيونهم وألسنتهم سوى مشهد وصوره واحده .. الوطن .. ولقد رأى أغصان الأشجار الّتي ترفرف جنباً إلى جنب مع العلم .. فخيِّل له بأنّه لا وجود لشجره الآن تقف على سيقانها بعد تلك الإحتفاليّه المهيبه في الشوارع .. تذكّر موعده .. وخرج آسفاً .. لأنه لن يرى ويتابع تلك الإحتفالات على التلفاز .. لكنّه كان مخطئاً تماماً .

      زياره قصيره لمنزل خطيبته ... ويخرج معها إلى الشارع .. لم تفاجئه تلك الجموع الهادره .. وصرخات التكبير .. ونفير السيّارات المارّه .. وأصوات الطبول .. وهما اللّذان يسكنان تلك المنطقه .. التي تعتبر هادئه نسبيّاً .. لكن في يوم النّصر تتحطّم قوانين النّسبيّه .. وتنمو روح الوطنيّه .. تلك القوى الخفيّه التي تركت أصحاب المحال يوزّعون الحلوى والمياه لتلك الجموع .. تلك القوى الّتي استعرت في الأجسام .. وخرجت من الحناجر والأذرع .. والأعين .. فذرف دموع الفرح لم يكن بقصدٍ أبداً ..وهو في الأصل ليس فرحاً فقط .. فهو ذلك الغضب الشّعبي الذي أذكته تلك الأيّام العشر الّتي لم يسمع فيها الشعب جديداً عن تلك القطعه الّتي سُلِبت منه .. وهاهي ذي تعود . تجلس بجواره في المركبه العامّه مشدوهه بتلك المناظر الّتي تتبارى عيناها على أن لا تفلت منها .. تنظر إلى الفتيات اللائي يضرِبْن على (الدلّوكه) .. ويهزجن بأغاني الحماسه (والسيره) .. وتنظر عن يسارها فترى النّاس يهنئون بعضهم بعضاً وكأنّه يوم عيد .. يسألها عن تلك النظره الباديه بعينيها .. لا تجيب .. لأنّه .. وببساطه ليس هنالك ما يُقال .. فهي نفس تلك القشعريره الّتي تعتري شعباً بأكمله .. قد خالجتها .. واحتوتها تماماً .. يدير نظره بعيداً .. علّها لم تر تلك الدمعه التي كابدت المشاق حتّى لا تسقط .. لكنّها ترقرقت بعينيه .. وتلك القشعريره .. ذاتها القشعريره الّتي أنهكت جسده .. تقول بلسان حاله .. هذا هو الوطن الّذي أعيش به .. هؤلاءِ هم أهلي  .. قطعوا عهداً .. وأوفوا به .. بذلوا الدماء .. والمال والولد .. وهاهي لحظة نصرهم .. وفرحهم .. وعلى الّذين في الثغور .. أحسدهم على تلك القشعريره الّتي يصابون بها .. فهي أقوى .. وأشدُّ وأعظم .. ياليتني كنت معهم .. ياليتني كنت معهم .

السبت، 21 مايو 2011

أبسط الأشياء

أنهى مكالمته الهاتفيه وهو يفكّر في فحواها .. لقد كانت مفاجئه بالنسبه له .. فبعد أن كان يتحيّن الفرص ليلتقي بها .. إذا به سيستطيع أن يتحدّث إليها أو حتّى أن ينظر لها ولو لبرهه .. كان يجلس على إحدى مناضد المطعم المطلّه على الطريق العام .. وضع جهازه المحمول أمامه وأخذ ينظر إليه غير مصدّق .. لقد كانت دعوه لحضور حفل عيد ميلاد أخيها الصغير .. لقد دعته بنفسها .. أثناء المكالمه كان يريد أن يظهر بمظهر الغير متلهّف على قبول الدعوه .. لكن وبعد أن أنهى حديثه معا وجد نفسه قد قبل دون تردّد .. وقال بأنّه سيكون أوّل الواصلين .. لكن ليس مهم ما جرى في تلك المكالمه .. على الأقل أراد أن يعزّي نفسه بأنّها كانت هي المبادره بطلب رقمه .. ودعوته للحفل .


أخذ يتسآءل .. هل هنالك مدعوون كثر مِمَّن تربطهم علاقه مشتركه بها !! .. أم هل هو وحده الذي دعته من الأصدقاء ! .. هل يرتدي ملابس عاديّه أم عليه أن يتأنّق ! .. وما هو نوع الهديّه التي سيشتريها لأخيها الصغير ! .. الذي كان دائماً ما يهوى أقلام التلوين وكرّاسات الرسم .. نعم .. إنّه يعرف كل كبيره وصغيره عنها .. حتّى ما كان يفضّله أخاها الصغير .. ووسط كلّ هذه التساؤلات والوعود بتمضية وقت سعيد في تلك المناسبه .. وضع الجرسون أمامه الساندوتش الذي كان قد طلبه أثناء مكالمته معها .. فابتسم إبتسامه خفيفه .. لقد أنسته السبب الذي أتى به إلى المطعم .. كانت الساعة تقارب السابعه مساءً وقد بقي أقل من ساعه على مواعيد الحفل .



قضم قضمه صغيره من ذلك الساندوتش .. مع أنّه كان يشعر بجوعٍ شديد .. ووضعه على المنضده ومضي مسرعاً . لم يكن يلاحظ ذلك الجسد النحيل الذي يراقبه عن كثب .. كان يضع تلك القماشه على فمه والتي لا تكاد تلامس لسانه حتّى يخرجها بسرعه .. ثم يضعها بصوره صحيحه مرّةً أخرى على مقدّمة فمه .. لم يكن يولي إهتماماً لذلك الشاب الذي ذهب مسرعاً .. كان أكبر همّه ذلك الساندوتش الذي تركه على منضدة المطعم .. وكلّما أراد أن يقترب بحذر وخوف منه يأتي أحد المارّه قاطعاً عليه الطريق .. لقد كانت المنضده بالقرب من بوّابة المطعم .. وكان الزحام يمنعه من الوصول إلى المنضده وأخذ غنيمته التي انتظرها كثيراً .. وبعد خلو المكان تقريباً من المارّه .. نظر إلى المنضده ولم يجد ضالّته .. أدار رأسه يميناً ويساراً علّه أخطأ في المنضده .. لكنّه سرعان ما رأى أحد الأطفال يحمل الساندوتش مسرعاً وبصحبته طفلين آخرين .. وتقاسموا غنيمتهم سريعاً ولم يبق منها شيئ .. فكّر قليلاً بالذهاب إلى المطعم المقابل .. لكنّه سيخاطر بحياته لو أراد أن يعبر الطريق إلى الجهة المقابله .. خصوصاً مع تلك السيّارات المسرعه .. وبالأخصّ ما يسري في دمه من تأثير تلك القطعه الرطبه نفّاذة الرائحه .. وحتّى لو عبر إلى ذلك المطعم وأكل حتّى امتلأت معدته .. فسيخسر تلك البقعه التي ينام فيها تحت إحدى السيّارات المركونه بجانب المبنى المجاور .. فآثر البقاء بالقرب من المناضد التي سرعان ما امتلأت بالزبائن .. وأخذ ينظر بترقّب لغنيمته التاليه .. وهو يتحسّر على الأولى .

الخميس، 19 مايو 2011

للألوان رائحه .. وطعم أيضاً

عندما نأتي على ذكر الألوان .. وارتباطنا بها .. نصف كل لون على أنّه حاله أو طبيعه لفعل ما .. فمثلاً نقول أنَّ الخير أبيض .. والشر أسود .. في حين يأتي وصف البعض مغايراً تماماً لذلك .. فالأبيض مُكر وخديعه .. والأسود وضُوح ونقاء .. كما وصف الرومان قديماً كوكب المريخ (Mars) بإله الحرب .. للونه الأحمر المرتبط بالدماء .. وكوكب الزُهره (Venus) بإله الجمال .. لألوانه المتلألئه .. ونعبّر عن الموت والحزن بالأسود .. والفرح والسعاده بالأبيض .. إذاً فوصف الألوان دائماً ما يكون نسبياً .. وغير محدّد أو مرهون بصفات بعينها .. وقد إرتبط الإنسان بالألوان منذ القِدم .. وجعلها سِمه أو علامه مميّزه له .. فكل قبيله أو مجموعه كانت تضع بعض المساحيق والألوان لكلّ مناسبه .. رجالاً ونساء .. وهذه التقاليد منتشره في كل الكره الأرضيه إلى يومنا هذا.. ولم تحاكي القبائل أو المجتمعات ثقافات بعضها البعض في ترتيب أو نقش اللون على الجسد .. كما لم تتناقلها فيما بينها .. وأثبت التاريخ قديماً أن المجتمع الذي في الشرق مثلاً لم يعلم بأن هنالك حضاره أخرى في الغرب .. لها نفس التعلّق بالألوان .. يستخدمها أيضاً في مسكنه أو ملبسه أو عباداته وطقوسه . فحب الألوان أو كرهها طبيعه مغروسه في النفس البشريه .


وجد الإنسان أنّ الألوان لها قدره على الإسترخاء أو الهيجان .. وعلى جعله مزاجياً .. عصبياً أو هادئاً .. كما نسمع عن أنّها دخلت في مجال العلاج النفسي وحتّى العضوي .. وكثُرت الصفات والنعوت للألوان وطبيعتها .. هنالك الألوان البارده .. الصارخه .. الهادئه .. الداكنه .. الفاتحه .. الطبيعيه .. الصناعيه .. إلخ .


لقد إخترت إسم هذه المدونّه (للألوان رائحه وطعم) إستناداً إلى ما ذكرته في السابق عن معاني وصفات الألوان .. في درجة تأثيرها على حياتنا بشكل عام .. وأحاسيسنا بشكل خاص .. مع أنّ الإسم لا يبدو أدبياً بشكل واضح .. إلاّ إنّه يصف المضمون بشكل تصويري .. أو خيالي .. لكنه في المُجمل إحساس .. فالماء لا لون له أو طعم أو رائحه .. لكنه سبب وجود كل شيئٍ حي .. وزيادة أيّ عنصر أو مادّه إلى الماء يغيّر فوراً من طبيعتها .. وبالمثل صفتها .. فتارةً لها لون .. أو طعم .. أو رائحه .. أو كل هذه الصفات مجتمعه . إنّ أيّ محاوله لفهم وإستيعاب أنّ للألوان رائحه وطعم ستؤدّي حتماً إلى نتيجه (مؤكّده) .. فالألوان .. لها رائحه .. وطعم أيضاً .