07:15 مساءً ...
عند الموقف الرئيسي للمواصلات العامّة ,
واقفاً بين هذا الجمع الكبير .. الّذين ينتظرون مثله لوسيلةٍ تُخرجهم من بؤسهم
اليومي .. ينظر يميناً .. يساراً .. لا يرى سوى رؤوس البشر الّذين يتماوجون ويجيئون
ويذهبون على غير هُدى .. على أمل الفرار من همومهم التي تتكرّر في العمل ..
الجامعة .. المدرسة . والوصول إلى المنزل .. إلى الجنّه . بعيداً بنهاية الطريق
المُعبّد ظهر الأمل .. حافلة قادمة .. حسناً ها قد بدأ الفرار .. الفرار إلى
المنزل .. لكن يجب عليه أن يتأكد من أنّه سيدخل السباق وهو في أتمّ الجاهزية ..
حذاء رياضي خفيف .. لزيادة سرعة الركض بالطبع . قميص أو فانلّة بأكمام قصيرة ..
حتّى لا يتشبّث بك المتشبّثون . مهما كان ما تحمله معك .. يجب أن يُوضع على حقيبة
ظهر .. لكي تتفادى .. تناور .. تلاكم .. إلخ . وإن وُجِدتْ .. إن وُجِدتْ ..
فقبّعة واقية من الصدمات تفي بالغرض لخوض مثل هكذا سباق . توقّفت الحافلة شمال ذلك
الحشد الكبيييييييييييييير .. ترجّل (الكمساري) لينادي على وجهته .. وقبل أن تكتمل
الحروف الأولى .. إمتلأت الحافلة .. رقم قياسي جديد .. في اليوم السابق كان الرقم
المُحقّق 5 ثواني .. إمتلأت الحافلة خلال 4 ثوانٍ !!! .
9:50 مساءً ...
ثُمّ جاء مِنْ بعيييييييييييييد .. الرجُل
الطيّب .. أو كما يطلقون عليه الرُكّاب البؤساء .. فهو يتحمّل فوق طاقته .. ثلاثة
أضعاف ما يحمله غيره من وسائل المواصلات .. جاء يحمِلُ على جانبيه المُلصقات
الإعلانيّة ذاتها .. وما أجملها ! .. المُهم .. إشرأبّت الأعناق .. وساد الصمْت
المُطبق إستعداداً للسباق .. ولكنْ . مرّ الرجل الطيّب أمام الجميع محييّاً بتحيّة
السائقين الخالدة (ضغطة طويييييييييييلة على دوّاسة الوقود .. ثُمّ تليها ضغطتين
قصيرتين) .. وبعد أن إنقشع الدُخان .. رأى قِلّة قليلة تركض وراءه راجية أن يتوقّف
.. لكن هيهات .
11:35 مساءً ....
بعد فترت الهِمم .. وسكتت الحناجِر عن
الهمهمة المعهودة .. وبعد أن طااااااااااااال الإنتظار .. رأى ذلك المثل حقيقة
واقعة (Misery
loves company) .. فبدأت الجموع تتكتّل .. وراحوا يتناقشون
ويتحاورون في الرياضة .. السياسة .. لُقمة العيش .. وبدأ هو أيضاً في المناقشة مع
من يجاوره .. ولم يشعر بالعربة الصغيرة التي تسللّت خلفه وتوقّفت (الأمجااااااد)
.. فالتفت يساراً .. (..............) .. وتحرّكت العربة .. إنّه بداخلها ! أين
ذهب ذلك الوقت ؟ .. ما هذا الألم ؟ .. أضلاعه .. كدمة صغيرة على جانب رأسه !. وبدأ
يتذكّر .. قوّة عظيمة تلك التي إقتلعته من الأرض ليجد نفسه واحداً من بين الرُكّاب
.. ضربة من مِرفقِ أحدهم على أضلاعه .. وضربة عُظمى برأسه بباب العربة .. فبدأ
يسأل الرّكّاب .. إلى أين نحن ذاهبون .. تنفّس الصُعداء بعد أن تيقّن أنّها وجهته التي طال إنتظاره
وإنتظار الرُكّاب للذهاب إليها .. المنزل .. آآآآآآآآآآآآآآآه .. لقد فاته أن يحسب
السُرعة الّتي إمتلأت بها تلك العربة .. لابُدّ أنّه رقمٌ قياسيٌ جديد .

