لم يكنْ متفاجئاً عندما أعلن وزير الدفاع
عن تحرير منطقة (هجليج) .. بل كان محتاراً ومسائلاً نفسه .. أكانت تستحق كل تلك
الأيّام العشر حتّى يحرِّر الجيش المنطقه المحتلّه ؟؟ .. وهو الّذي عاصر مُدناً
ومناطق واسعه قد حرّرها الجيش بقلّه قليله .. وزمنٍ وجيز .. فلِم إذاً كان كلّ هذا
التروِّي ؟؟ .. قديماً كان حال الحرب الدائره مثلها كمثل الأخوين اللّذين يعتركان
على المنزل .. داخل المنزل .. وينتهي العراك ويذهب كلّ واحدٍ إلى غرفته .. أمّا
الآن أصبح العراك بين منزلين إثنين .. لكلِّ منزل باب خاص به .. وعنوان .. لا يدخل
أحد إلى الآخر ما لم يستأذن صاحب المنزل .. وهنا بدأ يستوعب ذلك الصّبر والتروّي
كلّ تلك المدّه .. ما أُخِذ بالقوّه لا يستردُّ إلّا بالقوّه .. وإذا حاولت
إسترداد ما أُخِذ منك بطريقه متعجِّله . وكان الفشل .. فلا تلومنّ إلّا نفسك .. وكحال
قوّاتنا الباسله دوماً .. وأبداً ... يتحرّر جزء من البلاد في أيّام بعينها ..
كحال (الدّمازين) .. الّتي أدّى فيها الجيش صلاة العيد ... والآن (هجليج) .. وأداء
صلاة الجمعه .. وما أدراك ما الجمعه .. ذلك اليوم المهيب الّذي بدأ فيه كلِّ شيئ
.. وسينتهى فيه كلُّ شيئ أيضاً .. في يومٍ معلوم .. مُقدّس .
كانت الصور الأوّليه الّتي يشاهدها عبر
التلفاز تلغي كلّ ما كان بإعتباره عُرفاً أو حدّاً لا يستطيع أحد أن يقطعه أو
يخالفه .. فهذا سائق القطار الّذي يمر ببوّابة القياده العامّه للجيش .. الّذي لم
يتمالك نفسه وضغط على صافرة القطار .. الّتي بعثت في نفوس الحاضرين تلك القشعريره
الّتي كانت تغامرهم حين كلِّ نصر أو فرح .. أراد سائق القطار أن يترجّل ... ويختلط
بالجموع .. ويحمل أفراد الجيش على الأعناق .. فتغالبه دموعه .. ويردِّد بينه وبين
نفسه .. ياليتني كنت منهم .. وذلك الشّيخ الكبير .. الّذي يتوكأُ على عصاه باليمنى
.. ويستند على أحد أقربائه باليسرى .. يودّ لو يرجع الشباب ولو لفتره ... حتّى
يرقص معهم رقصة النّصر .. النّصر بعد غدر . أطفال ونساء .. ليس في أذهانهم وعيونهم
وألسنتهم سوى مشهد وصوره واحده .. الوطن .. ولقد رأى أغصان الأشجار الّتي ترفرف
جنباً إلى جنب مع العلم .. فخيِّل له بأنّه لا وجود لشجره الآن تقف على سيقانها
بعد تلك الإحتفاليّه المهيبه في الشوارع .. تذكّر موعده .. وخرج آسفاً .. لأنه لن
يرى ويتابع تلك الإحتفالات على التلفاز .. لكنّه كان مخطئاً تماماً .
زياره قصيره لمنزل خطيبته ... ويخرج معها
إلى الشارع .. لم تفاجئه تلك الجموع الهادره .. وصرخات التكبير .. ونفير السيّارات
المارّه .. وأصوات الطبول .. وهما اللّذان يسكنان تلك المنطقه .. التي تعتبر هادئه
نسبيّاً .. لكن في يوم النّصر تتحطّم قوانين النّسبيّه .. وتنمو روح الوطنيّه ..
تلك القوى الخفيّه التي تركت أصحاب المحال يوزّعون الحلوى والمياه لتلك الجموع ..
تلك القوى الّتي استعرت في الأجسام .. وخرجت من الحناجر والأذرع .. والأعين ..
فذرف دموع الفرح لم يكن بقصدٍ أبداً ..وهو في الأصل ليس فرحاً فقط .. فهو ذلك
الغضب الشّعبي الذي أذكته تلك الأيّام العشر الّتي لم يسمع فيها الشعب جديداً عن
تلك القطعه الّتي سُلِبت منه .. وهاهي ذي تعود . تجلس بجواره في المركبه العامّه
مشدوهه بتلك المناظر الّتي تتبارى عيناها على أن لا تفلت منها .. تنظر إلى الفتيات
اللائي يضرِبْن على (الدلّوكه) .. ويهزجن بأغاني الحماسه (والسيره) .. وتنظر عن
يسارها فترى النّاس يهنئون بعضهم بعضاً وكأنّه يوم عيد .. يسألها عن تلك النظره
الباديه بعينيها .. لا تجيب .. لأنّه .. وببساطه ليس هنالك ما يُقال .. فهي نفس
تلك القشعريره الّتي تعتري شعباً بأكمله .. قد خالجتها .. واحتوتها تماماً .. يدير
نظره بعيداً .. علّها لم تر تلك الدمعه التي كابدت المشاق حتّى لا تسقط .. لكنّها
ترقرقت بعينيه .. وتلك القشعريره .. ذاتها القشعريره الّتي أنهكت جسده .. تقول
بلسان حاله .. هذا هو الوطن الّذي أعيش به .. هؤلاءِ هم أهلي .. قطعوا عهداً .. وأوفوا به .. بذلوا الدماء ..
والمال والولد .. وهاهي لحظة نصرهم .. وفرحهم .. وعلى الّذين في الثغور .. أحسدهم
على تلك القشعريره الّتي يصابون بها .. فهي أقوى .. وأشدُّ وأعظم .. ياليتني كنت
معهم .. ياليتني كنت معهم .
